سيد محمد طنطاوي

357

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : وحق السماء صاحبة المطر الذي ينزل من جهتها مرة فأخرى ، لنفع العباد والحيوان والنبات . . وحق الأرض ذات النبات البازغ من شقوقها . * ( إِنَّه ) * أي : هذا القرآن * ( لَقَوْلٌ فَصْلٌ ) * أي : لقول فاصل بين الحق والباطل ، والهدى والضلال . والغي والرشاد . . وقد بلغ النهاية في ذلك حتى لكأنه نفس الفصل . * ( وما هُوَ بِالْهَزْلِ ) * أي : وأن هذا القرآن ، ليس فيه شائبة من شوائب الهزل أو اللعب أو المزاح . بل هو جد كله ، فيجب على كل عاقل ، أن يتبع هداه ، وأن يستجيب لأمره ونهيه . وفي هذه الآيات الكريمة رد بليغ ، على أولئك المشركين الجاهلين ، الذين وصفوا القرآن ، بأنه نزل على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ليهزل به ، لأنه يخبرهم بأن الأموات سيعادون إلى الحياة مرة أخرى ، وذلك أمر تستبعده نفوسهم المطموسة . وفي قوله - تعالى - : * ( والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ . والأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ) * مقابلة لطيفة ، حيث وصف - سبحانه - السماء والأرض بما يناسبهما ، وبما يشير إلى أن البعث حق ، لأنه كما ينزل المطر من السماء فيحيى الأرض بعد موتها . كذلك يحيى اللَّه - تعالى - بقدرته الأجساد بعد موتها . وعاد الضمير في قوله * ( إِنَّه ) * إلى القرآن - مع أنه لم يسبق له ذكر - لأنه معلوم من المقام . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بتسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وبتبشيره بحسن العاقبة فقال - تعالى - : * ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً . وأَكِيدُ كَيْداً . فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ) * وقوله : * ( رُوَيْداً ) * تصغير « رود » بزنة عود - من قولهم : فلان يمشى على رود ، أي : على مهل ، وأصله من رادت الريح ترود ، إذا تحركت حركة ضعيفة . والكيد : العمل على إلحاق الضرر بالغير بطريقة خفية ، فهو نوع من المكر . والمراد به بالنسبة لهؤلاء المشركين : تكذيبهم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، ولما جاء به من عند ربه ، فكيدهم مستعمل في حقيقته . والمراد به بالنسبة للَّه - تعالى - : إمهالهم واستدراجهم ، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، في الوقت الذي يختاره ويشاؤه . أي : إن هؤلاء المشركين يحيكون المكايد لإبطال أمرك - أيها الرسول الكريم - ، وإني أقابل كيدهم ومكرهم بما يناسبه من استدراج من حيث لا يعلمون ، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر ، فتمهل - أيها الرسول الكريم - مع هؤلاء المشركين . ولا تستعجل عقابهم . وانتظر